حين يُمنع الحرف من التنفس


حين يُمنع الحرف من التنفس

بين جهل الحاضر المغربي ومجد الأندلس: حكاية مجتمعٍ يخاف من النور

في زمنٍ تفيض فيه الشاشات بالضجيج، وتختنق فيه العقول بالصمت، ما زالت في مجتمعاتنا مشاهد مؤلمة تتكرر كل يوم: شبابٌ تتوق أعينهم إلى الكتب، وأيدٍ تمتد لمنعهم من لمسها. أمهاتٌ وآباءٌ، لا لأنهم أعداء للمعرفة عمدًا، بل لأنهم لم يذوقوا طعمها يومًا، يرون في القراءة خطرًا على النظام العائلي، لا طريقًا إلى الوعي.

في الأسواق، على الشواطئ، وفي الأزقة، تتكرر القصة ذاتها. ترى أطفالًا ينظرون إلى الكتب كما ينظر الجائع إلى رغيفٍ بعيد، لكن الأيدي التي تمنعهم ليست أيدي القدر، بل أيدي آبائهم وأمهاتهم، الذين ما زالوا يرون في الحرف بوابةً للتمرّد أو الكفر أو الضياع.

اللافت أن أغلب هؤلاء الآباء ليسوا فقراء كما قد يُظن. بل تراهم يملكون السيارات، والبيوت المزيّنة، والملابس الغالية. إلا أن عقولهم خالية من أي وعي بقيمة الفكر. في عالمٍ يُقاس فيه النجاح بما نملك لا بما نفهم، تصبح القراءة رفاهية لا ضرورة، وتتحوّل الثقافة إلى زينةٍ للحديث لا غذاءٍ للعقل.

-قال الجاحظ قبل أكثر من ألف عام:

من لم تكن نفقته في العلم، كانت مصيبته في الجهل.

وهذه المصيبة اليوم لم تعد فردية، بل جماعية. لأن من لم يقرأ لا يعرف كيف يُربي، ومن لم يتذوّق الفكر لا يستطيع أن يزرع حبّه في أبنائه.

الفيلسوف ابن رشد، وهو من أبناء الأندلس الذين صنعوا مجد الفكر العربي، قال:

الجهل يؤدي إلى الخوف، والخوف يؤدي إلى الكراهية، والكراهية تؤدي إلى العنف.

وما نراه اليوم في بعض أوساط مجتمعنا المغربي من انغلاقٍ فكري، ورفضٍ للحوار، وتوجّسٍ من السؤال، ليس سوى امتدادٍ طبيعي لتلك السلسلة التي تبدأ من الجهل وتنتهي بالعنف الرمزي ضد الفكر.

من مجد الأندلس إلى غربة الحاضر-

حين نعود بالذاكرة إلى العصر الأندلسي، نجد المفارقة الكبرى. فقد كان المغاربة والأندلسيون ذات يومٍ روّاد العلم والقراءة. كانت قرطبة وحدها تضم أكثر من سبعين مكتبة عامة، وكان الناس يتفاخرون بما يملكون من كتب أكثر مما يتفاخرون بما يملكون من ذهب.


في ذلك الزمن، كانت الأسر تشجّع أبناءها على الحفظ والدرس والبحث، وكانت القراءة تُعدُّ عبادةً وعزة. يقول ابن حزم الأندلسي:

إنّ مَن لم يُغذِّ نفسَه بالقراءة مات قلبُه جوعًا.

وفي غرناطة وفاس ومراكش، كانت المدارس تُخرّج العلماء والشعراء والفلاسفة الذين أضاءوا ظلام أوروبا، في وقتٍ كان فيه الغرب يعيش عصورًا من الجهل والانغلاق.

لكنّ المفارقة أن أحفاد أولئك العلماء، اليوم، في القرن الحادي والعشرين، يُمنعون من فتح كتابٍ بسيط، أو يُسخَر منهم لأنهم يقرؤون. صار الحرف غريبًا في وطنٍ كان مهده، وصار القارئ يُنظر إليه ككائنٍ “غريب الأطوار لا يعرف كيف يعيش الواقع.


يقول الشاعر محمود درويش:

الكتب هي أوطان صغيرة نحملها في حقائبنا.


فكيف لشعبٍ أن يضيع أوطانه الصغيرة، ثم يشتكي من التيه الكبير؟

الآباء والوعي الغائب

القضية ليست في المال، بل في غياب الوعي عند الآباء. كثير من الأمهات والآباء يمنعون أبناءهم من القراءة لأنهم يخافون من التغيير. يخافون أن تخرج الفتاة عن المألوف، أو أن يتساءل الابن عن المسلّمات. يخشون أن تُنير الكتب ما يريدون أن يبقى في الظلام.

يقول الفيلسوف الفرنسي فولتير:

القراءة تُغذي الروح كما يُغذي الطعام الجسد.

لكن هؤلاء الآباء لا يرون سوى الجسد، يهتمون بما يلبس الابن أكثر مما يقرأ، وبما تأكل البنت أكثر مما تفكر. وهكذا يُربَّى جيلٌ كامل على الخضوع لا على الحرية، وعلى الصمت لا على السؤال.

إنه من المؤلم أن تتحوّل الأم التي كان يفترض أن تكون أول معلّمة، إلى أول من يمنع الكتاب، وأن يصبح الأب الذي يُفترض أنه القدوة، أول من يستهزئ بالقراءة.

قال الشاعر أحمد شوقي:

إنما الأمم الأخلاق ما بقيتْ

فإن همُ ذهبتْ أخلاقُهم ذهبوا.

ونحن اليوم، حين نرى تراجع الأخلاق العامة والوعي، ندرك أن الأخلاق لا تُبنى بالوعظ فقط، بل بالمعرفة، بالقراءة، بالفكر.

بين الماضي والمستقبل: طريق العودة إلى النور

كان المغرب في فجر الحضارة الإسلامية مركزًا للفكر والتصوف والعلم، وكانت جامعة القرويين في فاس منارةً يُقصدها طلاب أوروبا قبل أن يعرفوا الجامعات الحديثة. لكن اليوم، كم عدد الأسر المغربية التي تقتني الكتب شهريًا؟ كم من أبٍ يقرأ أمام ابنه؟ كم من أمٍّ تقصّ على ابنتها قصة من الأدب المغربي بدل أن تسلّمها للهاتف؟

لقد تحوّلنا من أمة “اقرأ” إلى أمةٍ تخاف من الكلمة الأولى في كتابها المقدس. وهذا التناقض هو ما يجعل واقعنا متعثّرًا.

إن العودة إلى مجد الأندلس لا تكون بالحنين إلى الأطلال، بل بإحياء ما جعل الأندلس ممكنة: حب المعرفة.

حين كانت الأندلس تقرأ، كنا نحكم العالم بالفكر والجمال والعلم. وحين توقفنا عن القراءة، بدأنا ننهزم أمام الجهل والفوضى والتبعية.

قال المفكر مالك بن نبي:

كل حضارة تبدأ من فكرة، وتموت عندما تنتهي تلك الفكرة.

والفكرة التي تموت اليوم في عقول الآباء هي أن القراءة ضرورة لا ترف. فإذا لم نستعد هذا الوعي، سنورّث أبناءنا لا الجهل فقط، بل العجز عن الخروج منه.

القراءة… أمل لا ينطفئ

ورغم كل هذا الظلام، لا يزال هناك بصيص أمل يلمع في بعض الزوايا المغربية. نرى شبابًا يُقيمون مبادرات صغيرة في المقاهي، على الأرصفة، وفي الشواطئ، يقرؤون بصوتٍ عالٍ، يتبادلون الكتب كما يتبادلون الحلم. هناك من يبيع الكتب المستعملة بثمنٍ رمزي ليزرع بذرة الوعي في قلبٍ جديد، وهناك من ينظم جلسات قراءة على رمال شاطئ بوزيد وعين الذئاب وأكادير، متحديًا صخب الموج بصوت الحرف.

هذه المبادرات البسيطة ليست مجرد ترفٍ ثقافي، بل فعل مقاومة. مقاومة ضد الجهل، وضد ثقافة “الاستهلاك” التي ابتلعت معنى الفكر.

علينا أن نؤمن أن التغيير لا يأتي بقراراتٍ حكومية فقط، بل يبدأ من البيت، من لحظة يفتح فيها أبٌ كتابًا أمام ابنه، أو أمٌّ تروي لابنتها قصة من التراث المغربي، أو شابٌّ يقرأ في الحافلة بلا خجل.

القراءة ليست هواية، بل نجاة.

هي الطريق الوحيد للعودة إلى إنسانيتنا، إلى جذورنا الأندلسية التي علّمت الدنيا كيف يُكتب النور.

فلنفتح نوافذنا للحرف، قبل أن يُغلق علينا التاريخ أبوابه

العودة إلى المدونة

اترك تعليقا

يرجى ملاحظة أن التعليقات تحتاج إلى الموافقة قبل نشرها.