البطالة بين الشباب وعدم المساواة الاقتصادية في المغرب: أزمة وفرصة

البطالة بين الشباب وعدم المساواة الاقتصادية في المغرب: أزمة وفرصة

تشكل البطالة بين الشباب وعدم المساواة الاقتصادية واحدة من أبرز التحديات التي يعرفها المغرب في الوقت الراهن. فبينما يسعى البلد إلى تعزيز موقعه الإقليمي عبر مشاريع البنية التحتية واستقطاب الاستثمارات الأجنبية، يعيش آلاف الشباب المغاربة يوميًا واقعًا صعبًا يتمثل في البحث عن فرص شغل غائبة أو ضعيفة الجودة، مما يهدد النسيج الاجتماعي ويغذي مشاعر الإحباط وعدم الثقة في المستقبل.

الواقع الراهن بالأرقام

وفق المندوبية السامية للتخطيط، بلغ معدل البطالة الإجمالي في المغرب سنة 2024 حوالي 13.3%، لكن النسبة بين الشباب (15-24 سنة) تجاوزت 36% في المدن الكبرى مثل الدار البيضاء والرباط وفاس، ووصلت في بعض الجهات إلى حدود 40%.

البطالة لا تمس فقط الشباب غير المؤهلين، بل تطال أيضًا خريجي الجامعات والمعاهد العليا. حيث يواجه حوالي 1 من كل 3 خريجين صعوبة في إيجاد وظيفة مناسبة لشهادته.

في المقابل، يظل القطاع غير المهيكل الملاذ الأكبر، إذ يشكل أكثر من 70% من أنشطة الشباب العاملين، ما يعني غياب التغطية الاجتماعية والحقوق القانونية.

الأسباب العميقة

ضعف التوافق بين التعليم وسوق العمل: التكوين الأكاديمي يظل نظريًا في معظمه، بينما السوق يطلب مهارات تقنية وعملية (مثل البرمجة، الصناعات، الحرف الدقيقة).

العجز عن خلق فرص عمل كافية: المغرب يحتاج إلى حوالي 250 ألف فرصة عمل سنويًا لمواكبة الوافدين الجدد إلى السوق، لكن لا يُخلق إلا أقل من ذلك بكثير.

التفاوت الجهوي: مناطق مثل طنجة والدار البيضاء تستفيد من استثمارات ضخمة (الموانئ، الصناعة، السياحة)، بينما تعاني جهات داخلية مثل درعة-تافيلالت والشرق من ضعف الفرص.

العوامل الاقتصادية العالمية والمناخية: الجفاف المتكرر يؤثر على قطاع الفلاحة الذي يُعد مصدر رزق لملايين الأسر، إلى جانب التضخم وارتفاع أسعار المعيشة.

الفجوة الجندرية: بطالة النساء الشابات أعلى من الرجال بنسبة تتجاوز 10 نقاط في المتوسط، بسبب ثقافة اجتماعية تحد من مشاركتهن وفرصهن.

التداعيات الاجتماعية والاقتصادية

الاحتجاجات الشبابية: شهدت عدة مدن مغربية مظاهرات لما يعرف بـ "جيل Z 212" حيث طالب الشباب بتحسين التعليم والصحة وتوفير فرص عمل لائقة.

تزايد الهجرة السرية: البطالة دفعت آلاف الشباب إلى المخاطرة عبر الهجرة غير النظامية نحو أوروبا.

تعمق الفوارق الاقتصادية: الفوارق بين شباب المدن الميسورة ونظرائهم في القرى أو الأحياء الشعبية تتسع بشكل مقلق.

انعكاسات نفسية: البطالة الطويلة الأمد ترتبط بارتفاع نسب القلق والاكتئاب بين الشباب، إضافة إلى فقدان الثقة في المؤسسات.

الحلول الممكنة

إصلاح التعليم والتكوين المهني: إعادة هيكلة المناهج لتتوافق مع متطلبات سوق العمل، مع التركيز على الرقمنة والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة.

تشجيع ريادة الأعمال: عبر إنشاء صناديق تمويل للمقاولات الناشئة وإطلاق برامج احتضان للمشاريع الابتكارية.

سياسات جهوية عادلة: تحفيز الاستثمارات في المناطق المهمشة لتقليص التفاوتات الجغرافية.

إدماج الاقتصاد غير المهيكل: عبر تسهيلات ضريبية وحوافز قانونية لدمج الأنشطة الصغيرة في الاقتصاد الرسمي.

تمكين النساء والشباب: عبر برامج خاصة بالتشغيل النسائي، وتسهيل الولوج إلى القروض والدورات التدريبية.

أمثلة عملية آنية

برنامج أوراش: أطلقته الحكومة لتوفير فرص عمل مؤقتة للشباب في مشاريع محلية.

المناطق الصناعية الجديدة: مثل طنجة-تيك ووجدة-تاكسا تهدف إلى خلق آلاف الوظائف في قطاعات السيارات والالكترونيات.

مبادرات المجتمع المدني: جمعيات شبابية في مراكش والعيون تعمل على تدريب الشباب على المهارات الرقمية لزيادة فرصهم في العمل الحر.

خاتمة

إن البطالة بين الشباب وعدم المساواة الاقتصادية ليست مجرد أرقام، بل واقع يومي يعيشه ملايين الشباب المغاربة. غير أن هذه الأزمة يمكن أن تتحول إلى فرصة، إذا ما جرى الاستثمار بذكاء في طاقات الشباب وتهيئة بيئة اقتصادية عادلة وشاملة. المغرب أمام لحظة حاسمة: إما أن يجعل من شبابه رافعة للتنمية، أو يتركهم عرضة للتهميش والاحتجاج الدائم.

العودة إلى المدونة

اترك تعليقا

يرجى ملاحظة أن التعليقات تحتاج إلى الموافقة قبل نشرها.