المقاوم الذي لم يهزم :محمد بن عبد الكريم الخطابي بين المطرقة و السندان

عاش المغرب فترة حرجة في تاريخه إتسمت بالضيق و الانحطاط أمام الدول المجاورة حيث أبرزت الحقبة نخبة من المثقفين و الشباب الحالم بالمغرب الحر ،و كذا عارف بما لو و ما عليه تجاه هذا الوطن . من هنا تدفعنا الأحداث إلى رقعة أرضية ابانت مقاوم له تاريخيه الثقافي ،و السياسي حافظ على مبادىء بصمة سياسته هاته و بويع كذلك أميرا على المناطق الشمالية المغربية زمن الحماية الاسبانية ـ الفرنسية في السنين الممتدة ما بين 1912ـ 1956 و المسمى "محمد بن عبد الكريم الخطابي الورياغلي " نسبة إلى بني ورياغل . ولد بأجدير يوم 12 يناير 1882 و درس و تتلمذ على يد كبار العلماء و المشايخة في كل من مدرسة العطاويين ، مدرسة القرويين ، مدرسة شلمنقة اشتغل في عدة مناصب مهمة قبل الإنخراط في العمل السياسي -المقاومة ضد الوجود الأجنبي - كقاضي ، كاتب ، مترجم ،صحفي و أستاذ في مليلية لفائدة الساكنة المسلمة من سنة 1907 إلى سنة 1913 كان عارفا باللغات متمكنا من أساسياتها (العربية ، الأمازيغية ، الإسبانية ، الفرنسية ) عندما نتحدث عن عبد الكريم الخطابي الموضف لذا الاسبان فنحن نتحدث عن إنسان لا يزال يؤمن بالتعايش السلمي بين بلده الأم و الدخيل الاسباني لكن ما سيقلب الموازين هو ضعف المغرب أمام القوى الأجنبية، واستغلال إسبانيا الفرصة، ومحاولتها توسيع مناطق نفوذها على حساب الأراضي الساكنة الريفية، حيث صرّح في إحدى خطاباته سأكون دائما جنبا لجنب لسكان الريف " ، في حين رأت اسبانيا بأن هذا التوسع كان ضرورةً استراتيجية لضمان السيطرة على المجال ،هذا ما حرك الروح القبلية في نفسه ودفعه إلى بدء عملية المقاومة حيث كانت أول قاعدة ارتكز عليها في سياسته هي وقف ثأر بالنسبة للقبائل الشمالية حيث كانت تسلب مئات الأرواح وتوحيد القبائل لمواجهة العدو الخارجي وفي هذا الخضم بُيع محمد أميرا على الريف وقاده نحو القتال ضد الوجود الاستعماري حيث قال في احدى وقفاته " الحرب ضد الاستعمار وسيلة للتقارب الشعوب" و من أهم المعارك التي شنها محمد بن عبد الكريم الخطابي على الإسبان كانت معركة أنوال، حيث تعتبر في التاريخ من أكثر المعارك المذلة لإسبانيا في العصر الحديث وقد خلّفت خسائر بشرية فادحة في صفوف الجيش الإسباني، حيث قُتل الآلاف من الجنود وأُسر عدد كبير منهم، الأمر الذي أحدث صدمةً عميقة داخل إسبانيا، وأدّى إلى تغيّرات سياسية جذرية هزّت النظام القائم آنذاك. كما انتهت المعركة بانتحار الجنرال سيلفستر، الذي كان مكلّفًا بقيادة الحملة العسكرية، بعدما وجد نفسه محاصرًا أمام انهيار قواته. والمفارقة أنّه كان قبل اندلاع الحرب واثقًا من النصر ثقةً عمياء، حتى إنه أطلق تصريحات متعجرفة تقلّل من شأن الخطابي والمغاربة حيث قال في عبارة مفادها "سنحتسي الشاي في منزل الخطابي بعد المعركة "، غير أنّ الهزيمة القاسية كشفت زيف تلك الثقة وأثبتت قوة المقاومة الريفية وتنظيمها إضافة إلا أن هذه الثقة ارتكزت على التقارير التي تتبث أعداد العساكر و العتاد الضخم و المحرفة طبعا . في حين كان للملك ألفونسو الثالث عشر رأي آخر حيث فضل هو وجنوده أن يستمتعوا في إسبانيا بجمال الأجواء في حين سيلفيستر يرسل رسائل إغاثة في آخر لحظاته حيث قال على لسان ماريا روزا" إن لم تكن الآن فلن نحتاجها". بعد كارثة أنوال وما تبعها من انهيار عسكري ومعنوي، أقدم الجنرال سيلفستر على الانتحار نتيجة حجم الهزيمة. وقد فتحت السلطات الإسبانية تحقيقًا واسعًا لكشف ملابسات الكارثة، عُرف بـ تقرير بيكاسو، الذي حمّل الملك ألفونسو الثالث عشر، كامل المسؤولية على هذا . وقد اعتُبرت هذه الهزيمة وصمة عار في التاريخ الإسباني، أمام مقاتلين مغاربة بوسائل بسيطة وإمكانات محدودة، كان غذاؤهم الأساسي آنذاك خبز الشعير والبصل والفواكه المجففة كالتمر والتين، ما زاد من وقع الصدمة الرأي العام الإسباني. وأسهمت هذه الأحداث في إحداث تحولات سياسية عميقة؛ فانهار النظام الملكي تدريجيًا، ووقع انقلاب عسكري سنة 1923 قاده الجنرال ميغيل بريمو دي ريفيرا، مُعلنًا قيام حكم ديكتاتوري. ثم أُعلنت الجمهورية الثانية سنة 1931، قبل أن تنفجر الحرب الأهلية الإسبانية بين الجمهوريين والقوميين (1936–1939)، لتنتهي بانتصار الجنرال فرانكو وقيام نظام ديكتاتوري استمر حتى سنة 1975، قبل عودة الملكية الدستورية التي ما تزال قائمة إلى اليوم. إنْ كان هذا يدلّ على شيء، فإنما يدلّ على حجم القهر الذي سبّبه عزمُ الخطّابي على طرد الوجود الإسباني من الشطر الشمالي للمغرب، وهو ما دفع إسبانيا إلى التحالف مع فرنسا للتخلّص منه، بعدما أصبح شبحًا خفيًا يطارد الجنود الإسبان في كلّ مواجهة معهم. لم تكن الغلبة في هذه المواجهة للأقوى عدّةً وعتادًا، بل للأذكى والأكثر دراية بالأرض. فقد شكّلت المعرفة الجغرافية عاملاً حاسمًا في ترجيح كفّة المقاتلين المغاربة، إذ تحوّلت تضاريس المنطقة من جبال وعرة ومسالك ضيقة إلى ميزة تكتيكية استثمروها بمهارة. واعتمدوا على خبرتهم المحلية في تنظيم حركاتهم، وتوظيف أساليب حرب العصابات والكمائن، مما أربك الجيش الإسباني وأضعف قدرته على المناورة وبناء خطوط إمداد فعّالة، فوجد نفسه يقاتل في بيئة معادية لا يجيد التعامل معها. من جهةٍ أخرى، تكثّفت بعد حرب أنوال جهود القبائل الريفية، فتشكّلت عصبة تضمّ عدّة قبائل أدركت قوة محمد بن عبد الكريم الخطابي وحكمته القيادية. وقد تُوِّج هذا التلاحم بإعلان كيان سياسي عُرف في التاريخ باسم جمهورية الريف. سعى أميرها إلى طلب الدعم والاعتراف الدولي، فبعث بنداءات استغاثة إلى ألمانيا، غير أنّ هذه الأخيرة لم تستجب، إذ اعتبرت الريفيين مجرّد متمرّدين على السلطة الاستعمارية، ورأت أن القانون الدولي آنذاك لا يقرّ بشرعية حركاتهم ولا يمنحهم صفة كيان سياسي مستقل. بعد هذه المحاولات الشائكة وما خلّفته من دمار واسع، نتيجة الحصار الخانق الذي طال القرى والقبائل في الشمال، وما رافقه من قتلٍ للأطفال والنساء والشيوخ، فضلًا عن استعمال الغازات السامة كغاز الخردل، وجد محمد بن عبد الكريم الخطابي نفسه أمام واقعٍ إنساني وعسكري بالغ القسوة، فقرّر في النهاية الاستسلام للقوات الفرنسي1926. وهنا يطرح سؤال جوهري نفسه: لماذا اختار الاستسلام للفرنسيين بدل الإسبان؟ تُجيبنا الوثائق التاريخية والمصادر المعاصرة بأن إسبانيا كانت تنظر إلى الخطابي بوصفه العدو الأول والمسؤول المباشر عن هزائمها العسكرية، خاصة بعد كارثة أنوال؛ لذلك كان من المرجّح أن يكون مصيره الإعدام أو الانتقام الشديد لو وقع في أيديها. في المقابل، تعاملت فرنسا ببراغماتية أكبر، ففضّلت نفيه بدل تصفيته، وعرضت عليه اتفاقًا يضمن سلامته مقابل إنهاء القتال. وقد تضمّن هذا الاتفاق بنودًا تقضي بعدم إبعاده بعيدًا عن وطنه، وتحديد مدة النفي في ست سنوات فقط، مع تمكينه من متابعة أخبار بلده. غير أنّ فرنسا أخلّت بهذه الالتزامات، فنفته إلى جزيرة لاريونيون البعيدة في المحيط الهندي، في خرقٍ واضحٍ لتعهداتها. وهكذا لم يكن استسلام الخطابي ضعفًا أو هزيمة بقدر ما كان قرارًا استراتيجيًا وإنسانيًا، هدفه حقن دماء المدنيين ووضع حدٍّ لمعاناة السكان بعد أن أصبحت كلفة استمرار المقاومة باهظة على الإنسان قبل الأرض.

تاريخ

3/7/20261 min read